عبد الشافى محمد عبد اللطيف
230
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
حامل رسالة النبي إليه ، وبعد أن ذكر أشياء من صفات النبي صلّى اللّه عليه وسلم - : « القبط لا يطاوعوني في اتباعه ، ولا أحب أن تعلم بمحاورتي إياك ، وأنا أضن بملكي أن أفارقه ، وسيظهر على البلاد ، وينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده ، حتى تظهر على من ههنا ، فارجع إلى صاحبك . فقد أمرت له بهدايا وجاريتين ؛ أختين ، وبغلة من مراكبي . . . إلخ » « 1 » . فالمقوقس يعترف بصريح العبارة أن فتح المسلمين لمصر أمر محتم ولا مناص منه ، والمسألة مسألة وقت ، لا أكثر ، ومع ذلك رفض الإسلام ضنّا بملكه الدنيوي ، وهذا هو ما علق به النبي صلّى اللّه عليه وسلم على موقفه هذا عندما عاد إليه سفيره حاطب بن أبي بلتعة وقصّ عليه القصة ، فقد قال : « ضنّ الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه » « 2 » . وخلاصة القول في فتح العرب لمصر أنهم حرّروا شعبها من استعباد البيزنطيين وظلمهم ، وعمّروا البلاد بعد أن خرّبها البيزنطيون ، حتى الكنائس والأديرة التي دمروها أصلحها الفاتح العظيم ؛ عمرو بن العاص ، ومنح المصريين الذين بقوا على نصرانيتهم حرية دينية لم يعرفوها طوال تاريخهم المسيحي كله « 3 » . * بداية التفكير في إنشاء قوة بحرية إسلامية : أول من أدرك ضرورة امتلاك المسلمين قوة بحرية تحمي شواطئهم في مصر والشام ، ضد هجمات الأساطيل البيزنطية هو أمير الشام ؛ معاوية بن أبي سفيان « 4 » . والذي جعل معاوية يدرك هذا ويفكر فيه تجربته العملية أثناء فتح سواحل الشام ، ومدنه الحصينة التي لم تكن مجرد موانئ بحرية ، بل كانت ترسانات حربية بيزنطية ، من طرسوس شمالا حتى غزة جنوبا ، فقد عانى معاوية عناء شديدا في فتح تلك الموانى ، التي كانت تأتيها الإمدادت تباعا من القسطنطينية ، وغيرها من جزر البحر الأبيض المتوسط ؛ التي كانت كلها تحت حكم البيزنطيين - العدو الأول والأخطر للمسلمين آنذاك - ولما أتم معاوية فتح مدن سواحل الشام كلها أدرك ببصيرة عسكرية نافذة ، ووعي سياسي كبير أنه بدون أن يمتلك المسلمون قوة بحرية فعالة تحمي تلك الشواطئ
--> ( 1 ) ابن سيد الناس - عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ( 2 / 338 ) . ( 2 ) ابن سيد الناس - عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ( 2 / 338 ) . ( 3 ) الدعوة إلى الإسلام ، مرجع سابق ( ص 123 ) . ( 4 ) د . إبراهيم أحمد العدوي - الأساطيل العربية في البحر الأبيض المتوسط ، مكتبة نهضة مصر ( ص 7 ) .